محمد بن جرير الطبري

442

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

على طاهر ، ففرق محمد فيمن صار اليه من أصحاب طاهر مالا عظيما ، وقود رجالا ، وغلف لحاهم بالغالية ، فسموا بذلك قواد الغالية . ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل اليه الأمر فيه : ذكر عن يزيد بن الحارث ، قال : أقام طاهر على نهر صرصر لما صار إليها ، وشمر في محاربه محمد وأهل بغداد ، فكان لا يأتيه جيش الا هزمه ، فاشتد على أصحابه ما كان محمد يعطى من الأموال والكسا ، فخرج من عسكره نحو من خمسه آلاف رجل من أهل خراسان ومن التف إليهم ، فسر بهم محمد ، ووعدهم ومناهم ، وأثبت أسماءهم في الثمانين قال : فمكثوا بذلك أشهرا ، وقود جماعه من الحربية وغيرهم ممن تعرض لذلك وطلبه ، وعقد لهم ، ووجههم إلى دسكرة الملك والنهروان ، ووجه إليهم حبيب بن جهم النمري الأعرابي في أصحابه ، فلم يكن بينهم كثير قتال ، وندب محمد قوادا من قواد بغداد ، فوجههم إلى الياسرية والكوثرية والسفينتين ، وحمل إليهم الأطعمة ، وقواهم بالأرزاق ، وصيرهم ردءا لمن خلفهم ، وفرق الجواسيس في أصحاب طاهر ، ودس إلى رؤساء الجند الكتب بالاطماع والترغيب ، فشغبوا على طاهر ، واستأمن كثير منهم إلى محمد ، ومع كل عشره أنفس منهم طبل ، فارعدوا وابرقوا واجلبوا ، ودنوا حتى أشرفوا على نهر صرصر ، فعبى طاهر أصحابه كراديس ، ثم جعل يمر على كل كردوس منهم ، فيقول : لا يغرنكم كثره من ترون ، ولا يمنعكم استئمان من استأمن منهم ، فان النصر مع الصدق والثبات ، والفتح مع الصبر ، ورب فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ثم امرهم بالتقدم ، فتقدموا واضطربوا بالسيوف مليا ثم إن الله ضرب أكتاف أهل بغداد فولوا منهزمين ، وأخلوا موضع عسكرهم ، فانتهب أصحاب طاهر كل ما كان فيه من سلاح ومال وبلغ الخبر محمدا ، فامر بالعطاء فوضع ، واخرج خزائنه وذخائره ، وفرق الصلات وجمع أهل الارباض ، واعترض الناس على عينه ، فكان لا يرى أحدا وسيما حسن الرواء الا خلع عليه وقوده ، وكان لا يقود أحدا الا غلفت لحيته بالغالية ، وهم الذين